
هل من المعقول أن يستمر المغاربة في القرن الواحد والعشرين في خوض الاحتجاجات من أجل مطالب بسيطة هي في الأخيرة أبسط الحقوق؟ هكذا يلخص أبناء قرية الزراردة بإقليم تازة حالهم اليوم أمام مطالب يضطرون لرفعها كل سنة إلى المسؤولين لكن دون نتيجة تذكر.
هو حال العديد من القرى المهمشة في المغرب، لكن لكل منطقة خصوصيتها، وخصوصية قرية الزراردة، الواقعة بدائرة تاهلة بإقليم تازة، أنها تطلب تنمية كل سنة، ويتم توقيع المحاضر مع المسؤولين الإقليميين، لكن الحالة تتدهور أكثر فأكثر.

اعتصام شهرين
في الصيف الماضي، خاض سكان هذه القرية اعتصاماً دام قرابة الشهر بمقر الجماعة، لكن السلطات نفذ صبرها أمام صمود كبير لشباب وشيوخ يطلبون ماء وكهرباء وطرق وتطبيب، لينتهي الشكل الاحتجاجي باستقدام القوات العمومية بأعداد غفيرة لم يعهدها السكان.
الخلاصة بعد ذلك: وعود التنمية بهذه القرية لم ترى النور بعد.. بل الوضع ازداد تأزماً فساكنة المركز القروي باتت اليوم تتوصل بمياه مالحة غير صالحة للشرب من طرف المكتب الوطني للماء والكهرباء، لا تصلح لا للشرب ولا للطهي ولا حتى لإعداد كأس شاي.
ولا يتلقى سكان القرية، الذين يقدرون بأكثر من عشرة آلاف نسمة حسب الإحصاء الأخير، أي جواب أو تطمينات من طرف المجلس الجماعي ولا من طرف مصالح المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، ما جعل أمامهم حلاً واحداً ووحيداً وهو اقتناء المياه المعدنية.
في كل موسم صيف، تكون القرية الصغيرة، قرب جبال الأطلس المتوسط، قبلة لأبنائها الطلبة الذين يتابعون دراستهم بجامعة فاس القريبة، وحينئذ ترتفع وتيرة الحركة الاحتجاجية، فقد سبق لهم قادوا في غشت الماضي أشكالاً احتجاجاً غير مسبوقة، وحملوا نعش مجلسهم الجماعي وتوجهوا نحو الطريق السيار قبل أن تمنعهم قوات الأمن.

إحساس بالتهميش والحكرة
وبالإضافة إلى معالجة مُشكل ندرة المياه وملوحتها، كانت الساكنة ترفع مطالب اجتماعية بسيطة، من قبيل فك العزلة عن الدواوير التابعة لها، كما اتخذوا محاسبة المجلس الجماعي شعاراً لمعركتهم، حيث اعتبروا أن المجالس المتعاقبة لم تقدم لهم أي شيء إلا الوعود المؤجلة.
يقول حسين غورا، أحد أبناء المنطقة، في تصريح لهسبريس: "إن المنطقة تعاني التهميش، وأبرز تجل لذلك هي الطريق الرابطة بين تاهلة وأهرمومو، فهي في حالة مزرية ولم تعرف إصلاحات، إضافة إلى عدم استفادة العديد من الدواوير من فك العزلة وغياب الماء الصالح للشرب".
وأضاف غورا أن “مطالب السكان عبارة عن حقوق يكفلها الدستور وكل قوانين العالم، من أجلها قُدنا اعتصاماً طويلاً في مقر الجماعة، لكن لم نتلقى إلا الوعود الكاذبة، وحين نسمع عن مشاريع كبرى في المدن نحس بالحكرة والتهميش، إذ لا شيء يصلنا هنا”.
وأشار الشاب غورا إلى "أغلب المشاريع التي يجرى الإعلان عنها لا تعرف طريقها إلى النهاية، خصوصاً مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، مشيراً إلى أن الساكنة تلقت وعوداً من قبل والي جهة فاس مكناس وعامل إقليم تازة الذي أعفي مؤخراً من طرف الملك دون أن تصل مشاكلهم إلى محطة النهاية.
من ضمن المشاكل التي يثيرها سكان قرية الزراردة الحالة المزرية التي توجد عليها مجزرة السوق الأسبوعي، فهي لا تتوفر على أدنى شروط السلامة الصحية، فالداخل إليها يتساءل حول غياب المراقبة لمثل هذه المرافق الحيوية والتي لها تأثير على صحة المواطنين، خصوصاً أن الطبيب البيطري المراقب لا يحل بالمكان بدعوى عدم توفره على وسيلة نقل بحسب إفادة من مسؤول بالجماعة القروية.

مطالب تتكرر سنوياً
ولم تكن الحركة الاحتجاجية بهذه المنطقة المهمشة وليدة السنة الجارية، فقد كان تنتعش كل سنة وقبل خمس سنوات، حيث قال حسن أغزاز، وهو طالب بجامعة فاس وابن المنطقة، إن الحركة الاحتجاجية بدأت سنة 2011، تزامناً مع حراك “20 فبراير”، حينها تم توقيع محضر مع السلطات الإقليمية لكن تم الإخلال بكل الوعود.
وأشار أغزاز إلى أن الأشهر الماضية عرفت حركة احتجاجية قوية، تمثلت في اعتصام دام 53 يوماً بمقر الجماعة ومسيرات يومية، لكنه قال: "عوض أن ينزل المجلس الجماعي وينصت للمحتجين نهج طريقاً أخرى وهو رفع دعاوى قضائية ضد 9 محتجين".
ويؤكد الشاب حسن أغزاز على أن مطالب الساكنة بسيطة، وهي الماء الصالح للشرب وفك العزلة عن الدواوير التابعة للجماعة وتوفير شروط تطبيب كافية في المستوصف المحلي حتى لا يضطر السكان فك العزلة عن الدواوير التابعة للجماعة حتى لا يضطر السكان إلى الانتقال نحو تاهلة أو تازة.
لكن المطالب لم تأتي كما كان السكان يرغبون، بل تأزمت الأوضاع أكثر حسب إفادات السكان، حيث أوضح حسن أغزاز أن "المحتجين كانوا يرفعون مطالبهم الرئيسية لفائدة الدواوير البعيدة حتى أصبح سكان المركز يعانون هم الآخرين من ندرة المياه لمدة شهرين وحين تم حل المشكل عادت المياه إلى الصنابير مالحة لحد الساعة".
وتضم الجماعة القروية عدداً من الدواوير يقطنها سكان يعانون من غياب طرق تفك العزلة عنهم ومياه صالحة للشرب إضافة إلى الكهرباء، من بينها دوار تاريدالت، حيث قال محمد الملالي وهو أحد المنحدرين منها أن هذه المطالب ترفعها الساكنة منذ سنوات حتى ملت من تكرارها على مسامع المسؤولين.
وأضاف قائلاً: “نطالب بمدارس وطرق والصحة والكهرباء، هذا ما نطالب به منذ سنوات، وكل سنة نضطر للاحتجاج على نفس المطالب، وحين نواجه المجلس الجماعي يرد علينا بالقول إن هناك خطأ تقنياً أو هناك مشكل في الميزانية أو ننتظر مرور المشاريع”.

من الشارع إلى الفيسبوك
على الأرض خفت صوت المحتجين قليلاً، لكن على مواقع التواصل الاجتماعي لا زال مستمراً، ففي غمرة الاحتجاجات في الصيف الماضي، ظهرت مجموعة على فيسبوك تحمل “تروا ن زراردة”، أي أبناء الزراردة، تواكب أشكالها الاحتجاجية بالصوت والصورة والمتابعة اليومية.
وقد تحولت المجموعة، التي تضم اليوم 8000 عضو، بمثابة "محكمة" في حق المسؤولين محلياً عبر توجيه الانتقادات الحادة للمجلس الجماعي المسير، والذي يرأسه علي أوفريد المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، حتى بات مضطراً للتفاعل مع ما يوجه له من انتقاد لاذع في بعض الأحيان.
ومما يزيد من قلق سكان بعض الدواوير استثناؤهم من الاستفادة من الكهرباء، رغم أن دواوير أخرى تابعة لجماعات قروية مجاورة استفادت من فك العزلة والكهرباء رغم صعوبتها تضاريسها، وهي أعلى تجليات التهميش والحكرة بالنسبة لهم.

جماعة وأجور الموظفين
مسؤولو المجلس الجماعي يخلون مسؤوليتهم إزاء ملوحة المياه التي يتوصل بها سكان الزراردة، حيث أشار علي أصباب، نائب رئيس المجلس، في حديث لهسبريس، إلى أن المكتب الوطني للماء الصالح للشرب لا يتقاسم معهم المعلومات بخصوص مشكل ملوحة المياه.
No comments:
Post a Comment